ابن كثير
316
البداية والنهاية
لا إسراف فيه ؟ قال : فوق الجوع ودون الشبع من غير تكلف . قال : فما هذا اللباس الذي لا إسراف فيه ؟ قال : هو ما ستر العورة ومنع الحر والبرد من غير تنوع ولا تلون . قال : فما هذا الضحك الذي لا إسراف فيه ؟ قال : هو ما أسفر وجهك ولا يسمع صوتك . قال : فما هذا البكاء الذي لا إسراف فيه ؟ قال : لا تمل من البكاء من خشية الله عز وجل ، ولا تبك على شئ من الدنيا . قال : كم أخفي من عملي ؟ قال : ما أظن بك أنك لم تعمل حسنة . قال : ما أعلن من عملي ؟ قال : الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وما يأتم بك الحريص ، واحذر النظر إلى الناس . وقال لكل شئ طرفان ووسط ، فإذا أمسكت بأحد الطرفين مال الآخر ، وإذا أمسكت بالوسط اعتدلا ، فعليكم بالوسط من الأشياء . وقال : أربعة أحرف في التوراة : من لم يشاور يندم ، ومن استغنى استأثر ، والفقر الموت الأحمر ، وكما تدين تدان ، ومن تجر فجر . وقال عبد الله بن المبارك : حدثنا بكار بن عبد الله أنه سمع وهب بن منبه يقول : كان رجل من أفضل أهل زمانه ، وكان يزار فيعظهم ، فاجتمعوا إليه ذات يوم فقال : إنا قد خرجنا عن الدنيا وفارقنا الأهل والأموال مخافة الطغيان ، وقد خفنا أن يكون قد دخل علينا في حالنا هذه من الطغيان أعظم وأكثر مما يدخل على أهل الأموال في أموالهم ، وعلى الملوك في ملكهم ، أرانا يحب أحدنا أن تقضى له الحاجة ، وإذا اشترى شيئا أن يحابي لمكان دينه ، وأن يعظم إذا لقي الناس لمكان دينه ، وجعل يعدد آفات العلماء والعباد الذين يدخل عليهم في دينهم من حب الشرف والتعظيم . قال : فشاع ذلك الكلام عنه حتى بلغ ملك تلك البلاد ، فعجب منه الملك وقال لرؤوس دولته : ينبغي لهذا أن يزار ، ثم اتعدوا لزيارته يوما ، فركب إليه الملك ليسلم عليه ، فأشرف العابد - وكان عالما جيد العلم بآفات العلوم والأعمال ودسائس النفوس - فرأى الأرض التي تحت مكانه قد سدت بالخيل والفرسان ، فقال ما هذا ؟ فقيل له : هذا الملك قاصد إليك يسلم عليك لما بلغه من حسن كلامك فقال : إنا لله ، وما أصنع به ؟ هلكنا والله إن لم نلقن الحجة من عند الله مع هذا الرجل ، وينصرف عنا وهو ماقت لنا ، ثم سأل خادمه : هل عندك طعام ؟ قال : نعم . قال : فأت به فضعه بين أيدينا ، قال : هو شئ من ثمر الشجر ، وهو شئ من بقل وزيتون ، قال : فأت به ، فأتى به ، ثم أمر بجماعته فاجتمعوا حول ذلك الطعام ، فقال : إذا دخل عليكم هذا الرجل فلا يلتفت أحد منكم إليه ، ولا يقم له أحد ، وأقبلوا على الاكل العنيف ، ولا يرفع أحد منكم رأسه ، لعل الله يصرفه عنا وهو كاره لنا فإني أخاف الفتنة والشهرة وامتلاء القلب منهما ، فلا نخلص إلا بنار جهنم . قال : فبكى القوم وبكى ذلك الرجل العالم ، فلما اقترب الملك من جبلهم الذي هم فيه ، ترجل الملك ومن معه من أعيان دولته وصعد في الجبل ، فلما وصل إلى قرب مكانهم أخذوا في الاكل العنيف ، فدخل عليهم الملك وهم يأكلون فلم يرفعوا رؤوسهم إليه ، وجعل ذلك العالم الفاضل يلف البقل مع الزيتون مع الكسرة الكبيرة من الخبز ويدخلها في فمه ، فسلم عليهم الملك وقال : أيكم العابد ؟